اللهم يا عالم السر والنجوى، يا كاشف الضر والبلوى، اللهم خابت الآمال إلا منك، وشان التوكل إلا عليك، يا صاحب كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا أمان الخائفين، يا غياث المستغيثين، يا مجيب دعاء المضطرين، يا كاشف كرب المكروبين، يا حيلة من لا حيلة له، ويا غاية من لا وسيلة له.
اللهم كثر الظالمون وعزَّ الإخوان، وانقطعت الحيلة وبطلت الوسيلة، إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين.. أنت رب المستضعفين وأنت ربنا، عزَّ جاهك وجلَّ ثناؤك، وتقدَّست أسماؤك، لا يردُّ أمرك، ولا يهزم جندك، يا حي يا قيوم.. برحمتك نستغيث فأغثنا، أنت غياثنا فبك نستغيث، وأنت ملاذنا فبك نلوذ، وأنت عوذنا فبك نعوذ، وغدًا يحاكَم أولياؤك، ويُدبَّر لهم من قِبل الظالمين.
اللهم إنهم لا مولى لهم سواك، ولا نصير لهم إلا أنت، اللهم انصرهم وأيِّدهم بفرج من عندك، اللهم انصر دينك وكتابك ودعوتك وعبادك المؤمنين، اللهم نجِّ إخواننا المعتقلين المستضعفين من كيد الكائدين وظلم الظالمين، كن لهم خير معين، واحفظنا واحفظ إخواننا ودعوتنا من كل جبار عنيد، ومن كل ظالم عتيد.
اللهم يا مفتح الأبواب، يا مؤنس الأحباب، يا مسهِّل الأمور الصعاب، يا منزِّل الكتاب، يا مجريَ السحاب، يا هازمَ الأحزاب، يا من ذلَّت له رقاب الجبابرة، يا من قال “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب”.
اللهم عليك بمن عادى أولياءك، أعلن حربك عليهم، اجعل الدائرة عليهم، عليك بالظالمين المتكبرين، اهزمهم وزلزلهم، واجعل الدائرة عليهم، اللهم شتِّت شملهم، ومزِّق جمعهم، وأَبطل كيدهم، وفرِّق بينهم وبين من شايعهم، اللهم إنّا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اجعل تدميرهم في تدبيرهم، خيِّب ظنهم، أبطل كيدهم، اللهم أهلكهم كما أهلكت عادًا وثمود، اللهم زلزل عروشهم وبيوتهم، وأرِّق وأذهب نومهم بقوتك يا جبار يا قهار، يا رافع السماء يا دافع البلاء.
يا أرحم الراحمين يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام.. فلا تردنا بعد هذا الدعاء خائبين، ولا عن باب جودك مطرودين، اللهم لا تردنا إلا وقد أطلقت سراح إخواننا، ونصرت دعوتنا، وملأت بالهدى قلوبنا، وشرحت بالإسلام صدورنا، وأقررت برضاك عيوننا، واستخدمت لدينك أرواحنا وأبداننا
أستاذي العزيز : السلام عليكم ورحمة الله الله وبركاته
شاء الله عز وجل أن أكتب إليك في بداية هذه المحنة واليوم أكتب إليك مرة اخرى ..ولكن اليوم ليس كالأمس .. فاليوم أكتب وكلنا ينتظر النطق بالحكم في هذه القضية ..لقد تحدث الجميع وننتظر كلمة القاضي ..لكن تبقى الكلمة العليا لله فهي الكلمة الفصل …عاجلا في الدنيا واجلا يوم القيامة
أستاذي : اسمح لي أن اتحدث بين يديك عن السراء والضراء … عن الفرح و البلاء.
السراء :
لقد بدأ الله بها في كتابه الكريم ..فاستبشرت ان ابدأ بها ……اشعر ان القاضي سينطقها …سيعلنها مدوية للجميع ويقول…..كيف أحاكم هؤلاء؟!! ..كيف يسجن هؤلاء؟!! ……إنهم شامة فوق الرؤس ..إنهم السادة والقادة ..إنهم رجال مصر والامة ..كيف اكتب بيدي قراراً بسجنهم …..كيف القى الله بعد ذلك؟ ….كيف أواجه كل هؤلاء وهم يختصموني أمام الله ليأخذوا من حسناتي يوم القيامة؟ ..كيف يرتاح ضميري؟ وأنام كل يوم قرير العين ..كيف اطمئن على اولادي واهلي من غضب الله إن حرمت هؤلاء من اهليهم وأولادهم ..كلا والله.. فأنتم الشرفاء ..سامحوني على حجزكم كل هذه المدة ..لم أكن أملك امري …كنت استعظم قادتي ورؤسائي ..لكني حين بدأت اسطر حكمي وقراري…ارتعشت يدي وتذكرت قدرة الله.. هنا استحضرت عظمت الله في قلبي ..وحينها استصغرت كل شئ سواه ….أيها الاساتذة.. أيها الاهالي.. أيها الشعب : لقد قررت هيئة المحكمة بإجماع الأراء براءة جميع المحتجزين… عودوا جميعا الي بيوتكم ……انصرفو آمنيين ..مطمئنيين ……رفعت الجلسة
الضراء:
أما إن كانت للقاضي كلمة اخرى ….فلابد هنا من كلمة اخرى : إن من سار على درب الأنبياء لابد له من يستذكر قصصهم وصبرهم ..وينظرا ماذا قدموا ..ماذا فعلو حين حل بهم البلاء …حين أُذوا في سبيل الله ..اسمح لي ان اصحبك للحظات مع الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم ومع بعض الرجال العظام الذين خلدهم التاريخ بسسبب تضحيتهم وإخلاصهم و إيمانهم بدعوتهم ولثقتهم بنصر الله ..
1. ألم يحصار رسول الله في شعب أبي طالب؟ ..فقد عمه الذي كان يكفله ..فقد زوجته التي كانت أقرب الناس الى قلبه …ألم يخرجه قومه من بلده؟ فخرج يبكي حزينا على فراق مكة و فراق الاحبه …
2. ألم يٌطعن عمربن الخطاب وهو يصلى وظل ينزف الدماء حتى استشهد؟
3. ألم يٌمثل بأسد الله حمزة ؟…وٌشقت بطنه ومضغت كبده وبكاه رسول الله صلى الله عليه أشد البكاء .
4. و تجرأو على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوه وهو وحيدا وسط اهله واولاده , ألم تتوسل اليهم زينب اخته حتى لا يمثلو بجثته ويقطعو راسه ,ألم تستصرخ جدها رسول الله وامحمدااااااااه .. ورغم ذلك البكاء والعويل اصر الطاغية على فعلته الشنعية فمر يحز الرأس غير مراقبِ .. من الله لا يخشى ولا يتوجل .
5. ألم يعذب الامام أحمد ابن حنبل ورفض ان ينطق بكلمة واحده كادت أن تعفيه ولكنه ثبت على كلمه الحق ولأن الامام يدرك أن كلمته لست ككلمة غيره , لقد ظل الامام احمد يعاني ألم السياط حتى توفاه الله.
6. ألم يطلق الرصاص على الأمام البنا رحمه الله..ثم تركوه ينزف وحيدا في المستشفى الي ان فاضت روحه الطاهره بعد ان نزف دمه كله
7. ألم يستشهد الشيخ احمد ياسين…رموه بصاروخ حيث كان عائد على كرسية من صلاة الفجر
8. ألم يسجنوك من قبل …غٌيّبت عن أهلك وأولادك سنوات طواال فمازادك غير إصرار …اخذوا منك مالك ….حاولوا أن يرهقوا جسدك ..ولكن لم يرهَنوا عقلك ..لم يصلو لقلبك ولن يصلو بإذن الله….لأنه قلب معلق ..مرتبط بالله …فكان سجنك خلوة وعبادة ثم خرجت عزيزا ..فارسا مكملا مسيرة الدعوة والثبات
أستاذي : سيمضى الوقت ..سيزول التعب …لكن الأجر سيبقى ..نعم سيبقى لانه عند الله في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى …..
إلى أن نلتقي ..لك مني كل الحب ..لك مني لك الود…نحن نفتقدك ..نحن ننتظرك فلا تتأخر علينا ……………والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته……..ابنك : أبو يوسف
Filed under: قالو عن ابي — saad alshater @ 10:51 am
لقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر، وجعل لكل واحد مميِّزات وصفات تجعله مختلفًا عن غيره، فلا تكاد تجد فردَين متطابقَين تمامًا في طباعهما وأسلوب معيشتهما؛ وذلك للاختلاف في الموروثات التي تحدد خصائص الإنسان النفسية، والبدنية من فردٍ لآخر.
ويأتي اختلاف الثقافات بين الأفراد عاملاً آخر ليجعل لكل فردٍ طبعَه وتفكيرَه الذي يميِّزه عن غيره، فإذا اختلفت البيئة التي ينشأ فيها الأفراد، واختلفت أيضًا الأعمار فالتباين في الطباع والسلوك يكون على أشدِّه.
وقد تتباين مجموعة ما في موروثاتها وثقافتها وبيئاتها وأعمارها، ولكن يكون اجتماعهم لساعات معدودة على فترات متباعدة أو متقاربة، فلا تجد لاختلاف طباعهم أثرًا في علاقتهم، ولكن إذا عاشوا مع بعضهم أيامًا أو أسابيع فسرعان ما يؤدي تباين الطباع إلى مشاكل لا حصر لها!!.
وحتى في العلاقات الزوجية، فإن الخبراء يقولون إن أول عام من الزواج تكون فيه بعض المشاكل؛ لاختلاف طبعَي الزوجين عن بعضهما.
ولكن إذا وجدت مجموعةً من الناس مختلفي الثقافات والأعمار والبيئات، ويعيشون مع بعضهم أيامًا بل شهورًا عديدةً، ويكون مكان إقامتهم ليس متنزهًا أو مصيفًا، بل سجنًا يُظلمون فيه ويُحرمون أبسط حقوقهم، وهم الكرام في أهلهم؛ فإن هذه المجموعة بمنطق العقل، وخبرة الحياة حتمًا ستحدث بينهم من المشاكل، وتظهر بينهم من السلبيات ما يفوق الحصر.
ولكن أن تجد هذه المجموعة على ما هي فيه كما ذُكرت؛ يعيشون حياةً هادئةً يملؤها الحب، ويرفرف عليها التفاهم، ويسلس انقياد بعضهم لبعض؛ فلا تكاد تحدث مشكلة، ولا يعكِّر صفوَ العلاقات الراقية عكرُ الخلافات الطارئة!!.
حين تجد ذلك لا بد أن تفكِّر مليًّا وتسأل نفسك: من هؤلاء ولماذا هم كذلك؟!.
والمحالون للمحكمة العسكرية هم مثالٌ لهذا النموذج الراقي؛ فهم ينتمون إلى بيئات مختلفة: بحري وقبلي، قروي ومدني، وأعمار مختلفة دون الأربعين حتى فوق الستين، وشهادات علمية مختلفة ومستويات اقتصادية متعددة، ومهن متباينة، ويعيشون تحت ظروف تدفع للتوتر، وتزرع الضيق في الأنفس، ومع ذلك تجدهم- ومع مرور عام على هذا الحال- لا تزيدهم الأيام إلا ألفةً، ويدفعهم ما يتعرَّضون له من ظلم إلى أن يصفح بعضهم عن بعض، ويرحم بعضهم بعضًا!!.
تجد أرواحًا متآلفةً، وقلوبًا متآخيةً، وأنفسًا مؤْثرةً، وأخلاقًا هي المكارم بعينها؛ ينطبق عليهم قول الشعر:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
فقد اتسعت أخلاقهم حتى جاوزت ضيق السجن، وضجر الظلم، ولا عجب في ذلك؛ فإن يد الله هي التي تزرع في هذه القلوب معانيَ الأخوة، فنبتت مظاهر الألفة، فتثمر علاقات السعادة ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 63).
وقد يتبادر أيضًا للذهن أن هذه المجموعة قد اتفقت في طباعها، وتوحَّدت في مشاربها؛ لذلك لم يحدث بينهم خلافٌ أو اختلافاتُ، ولكنهم ليسوا كذلك.. إنهم أيضًا مختلفو الطباع والمشارب، ولكنه الاختلاف الذي يؤدي إلى التكافل، وهو التنوع الذي يثري الحياة.
وقد تجاوزت هذه الألفة أشخاصهم إلى أسرهم؛ فقد أحسَّت أسرهم أنهم أصحاب هدف واحد وأمل واحد، وقد ظهر ذلك على الأبناء، فاكتُشفت مواهبهم، ونمت قدراتهم، وصَلُح حالهم.
ولا أقول إنهم ملائكة لا يخطئون، بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ولكن حسن النية، والرغبة في الثواب جعل التغافر بينهم أكثر من العتاب، والصفح أعمَّ من العقاب، وكل واحد منهم إن وجد في نفسه خصلة من السوء اجتهد أن يتخلَّص منها، وإن وجد خصلة من الخير في أخيه اجتهد أن يتعلَّمها منه، وهذا مصداق حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “ما التقى مؤمنان قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيرًا”، والحديث القائل “المؤمن للمؤمن كاليدين؛ تغسل إحداهما الأخرى”، فكان تعايش هذه المجموعات مع بعضها كله إفادةً وخيرًا ونفيًا للشر.
وإني أمثِّلهم ببستان عظيم تدخل إليه فينشرح صدرك، ويبهجك جمال ورده وحسن أزهاره.
ورغم أن البستان كله يعجبك إلا أنك إذا اقتربت من كل زهرة على حدة فستجد لها لونًا يميزها وشذا يخصُّها وجمالاً تتفرد به عن زميلاتها.
وهكذا من عاشرتهم عامًا كاملاً في السجن في هذه المحاكمة العسكرية المثيرة للجدل.. كل واحد منهم زهرة نسيج وحدها منفردة بمميزاتها، زهرة تبعث الراحة إلى النفس وتألف العين رؤيتها، كل واحد من هؤلاء الذين أراد لهم النظام البائس أن يعاقبهم بحبسهم، ولكن أراد الله أن يكونوا في محبسهم كباقة زهور في بستان، وأصبح كل منهم زهرةً في هذه الباقة؛ تشم منها أطيب ريح “مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير”.
وأجدني مدفوعًا من حبي لهم وتقديري لأخلاقهم أن أقترب كل يوم من زهرةٍ من هذا البستان لأحدثكم عن أجمل ما فيها، وما يميزها عن غيرها وما تفيض به على من حولها لتشمُّوا معي عبيرَ هذه الزهور، فتسعدوا كما سعدت معهم.
وكذلك أقصد بحديثي عن هؤلاء الذين عايشتهم أن أقدم نماذج مشرِّفةً لأجيالنا الصاعدة؛ حتى يعلموا أن رجال الحق موصولون ومتواصلون، وأنه في كل زمن توجد طائفة بالحق مستمسكة، وله ناصرة حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، ومع لقاء قادم أحدثكم عن أول زهرة رأيتها….
المهندس محمد خيرت الشاطر
قابلته قليلاً قبل أن أرافقه في هذا السجن وفي هذه المحاكمة، ولا أخفيكم أنه كلما طالت أيام السجن كلما ازددت له حبًّا له وإعجابًا به.. إنه المهندس محمد خيرت الشاطر والمدَّعى عليه الأول في هذه المحاكمة الظالمة.
والمهندس محمد خيرت الشاطر قد أتاه الله بسطةً في العلم والجسم، وكذلك بسطةً في المال والعيال.
وقد أورد العقَّاد في كتابه “عبقرية عمر” أن هناك مدرسةً علميةً تقول إن العباقرة غالبًا ما يتميزون بصفات جسمانية مميزة؛ منها أن يكون العبقري طويلاً بيِّن الطول، أو قصيرًا بيِّن القصر، فلما رأيت م. خيرت وهو بيِّنُ الطول ورأيت فيه العبقرية بعينها أيقنت أن ما نقله العقاد صوابٌ إلى حد كبير، وأن هذا الرجل إنما اصطفاه الله لما أودعه فيه من عبقرية قلَّما تجدها بين البشر.
وعبقرية المهندس خيرت يلمسها كل من يحادثه أو يناقشه؛ فهو يتميَّز بعقليةٍ مرتَّبةٍ ومنظَّمةٍ إلى حد كبير؛ فإذا تناولت معه موضوعًا عامًّا أو خاصًّا تجده يرتِّب لك الأحداث والأفكار والاستدلالات بتلقائيةٍ، حتى إنك تظنُّ أنه قد جلس ساعاتٍ طوالاً يتدارس ما سيقوله، ومع تكرار الأحاديث، وتنوعها تتأكد أن الأمر ليس مدارسةً بل هي سليقة أودعها الله إياه.
وقد حباه الله أيضًا ذاكرةً حادَّةً- أسأل الله أن يحفظها له- فدقائق الأمور فضلاً عن كبارها تجده يذكرها لك حتى ولو بعد عدة أعوام، ولعل تنوع معلوماته، وكثرة معارفه وعِظَم قراءته وعمق تحليلاته للأحداث، والأمور تضيف إليك جانبًا من جوانب التقدير لهذا الأخ الكريم.
والمهندس خيرت ابن الحاج سعد الشاطر- رحمه الله- وهو من تجَّار الدقهلية المشهورين، وقد ورث عن أبيه براعة التجارة، وورث أيضًا مالاً يتاجر به؛ ولذلك هو رجل أعمال ناجح فتح الله عليه مشاريع عديدة أقامها بحرِّ ماله، وكانت سببًا في فتح أبواب العمل لكثيرٍ من الشباب.
أما أسرته فإنك تشعر أنها أسرةٌ مجاهدةٌ حقًّا، سواءٌ الأم أو بناته الثمانية، أو ولداه، وهما أصغر أبنائه؛ فكلهم يحملون رسالةً ويؤدون أمانةً، ويقفون وراء أبيهم يشدُّون من أزره.
ولعل أهم ما يميز المهندس خيرت هو روح الأبوة التي تملأ قلبه؛ فهو يستشعر مسئوليته نحو الجميع، ويتتبَّع أحوالهم، ويؤثرهم على نفسه، ويراعي أدقَّ المشاعر لأصغر المتواجدين معه.
تجده- رغم كثرتنا- يعرف أبناء كل واحدٍ منَّا، بل أحفاده إن وجدوا، ويسأل عنهم فردًا فردًا، ويعرف بدقة ملاحظته تواصلَ كل فرد مع أهله في الزيارات!!.
رأيته يعاتب أخًا لنا ظلَّ يكتب خطابًا أثناء زيارة ابنته له قائلاً: “إن وقت الزيارة أولى به ابنتك”، وكان في عتابه رقيقًا مهذَّبًا؛ تجده يتصابى لأطفالنا وكأنه منهم، ويتعانق مع أبنائنا الكبار وكأنه أبوهم.
ورغم ما تعرَّض له المهندس خيرت من مصادرةٍ للأموال وسجنٍ لفترات طويلةٍ تعدَّت ثمانيَ سنوات منذ عام 91 حتى الآن، ورغم ما يُشاع عن أنه المقصود الأول في هذه المحاكمة، إلا أن سَمَره مع إخوانه ومحاولته التخفيف عنهم والضحك معهم سمته دائمًا.
يجلس أحيانًا في طرقة العنبر ليجالسه من أراد، فتجد مجلسه هو مجلس الحب والسمر واللطف والتلطف، ثم هو معاني الإيمان بالله والتسليم لقضائه وقدره، ولعل ما يحببك في المهندس خيرت هو تواضعه الشديد ورغبته في عدم التميُّز عمن حوله.
أذكر أننا اجتمعنا تطوعيًّا لتنظيف مكان في فناء السجن مليءٍ بالأحجار؛ حتى يكون مكانًا لجلوسنا، فوجدناه وسطنا يحمل الأحجار، فلما طلبنا منه الراحة أصرَّ على أن يحمل معنا الأحجار رغم مرضه آنذاك.
وهو شاعر يحب الشعر، ويقرضه، كتب قصيدةً في عقد ابنته- والذي عُقد في السجن- جمع فيها جميع أسماء أبناء وأحفاد المحالين للمحكمة العسكرية.
ومن الأحداث التي تجعلك توقن أن قلب هذا الرجل يحمل إيمانًا عظيمًا بالله- سبحانه وتعالى- وتسليمًا لقدره، هو حينما جاءه خبر مرض زوجته، وقد كان مرضًا غامضًا؛ فقد أصيبت بغيبوبة، وكان الأمر صعبًا علينا، فما بالكم به؟!.. لقد فقد الرجل حريته وماله، ثم ها هو قد يفقد أنيسته وشقيقة روحه.
ولكن أشُهد الله أنه ما خرجت منه كلمة شكوى ولا علامة ضجر، بل كان الدعاء والصبر حتى أزاح الله الغمة وشفاها بآية من عنده، وحار الأطباء في سبب الشفاء، كما احتاروا في سبب المرض!!.
وقد دار بيني وبين آخرين معي حديثٌ بل أحاديث تطرَّقنا فيها عن المهندس خيرت الشاطر، فما وجدت من الجميع نحوه إلا إجماعًا على حبه وتقديره، وما لمسته أنا من برِّه وتواضعه وصبره وثباته أحسَّ به الجميع، فاستحق أن يتربَّع على عرش قلوبهم محبةً واحترامًا.
وقد كان دائمًا يجول بخاطري: “ما حال الدعوة إذا ذهب عنها مؤسسوها الأوائل الذين عاشروا الإمام الشهيد حسن البنا وتربَّوا في أتون محنة سجون عبد الناصر؟!.. كان السؤال دائمًا ملحًّا على ذهني.. هل ستفرز هذه الدعوة أمثال هؤلاء يقودونها إلى بر الأمان؟!.
وكانت الإجابة عن هذا السؤال حينما عاشرت المهندس خيرت الشاطر، وعلمت أن الله يختار قادةَ دعوته، وأن هذه الدعوة ولاَّدة برجال أطهار أمثال المهندس خيرت الشاطر وغيره.
وإنني أسأل نفسي دائمًا: لماذا يضطهد نظامنا الفاشل أبناء الوطن المخلصين؟! لماذا مثل هذا الرجل يوضع في السجن؟! ولو استفادت الأمة من جهده وعلمه وعقله لكان الخير كل الخير.. هل مثل المهندس خيرت يكون مكانه السجن؟!.
ولكن أرجع إلى نفسي، وأقول إن الله أدخل يوسف السجن ليكون بعدها الحفيظ الأمين الذي ينقذ مصر، فهل يا تُرى يتكرَّر الأمر مع المهندس خيرت الشاطر؟! أسأل الله أن يكون ذلك.